المُنية
دارٌ خاصّةٌ ملاصقةٌ للرياض، معدّةٌ لمجلسٍ بعددٍ مغلق: خلوةٌ، وصحبةٌ بقدر، وضيافةٌ متحفّظة.
المُنيةُ دارٌ قائمةٌ بذاتها لا ملحقاً سياحياً للرياض: لها بابُها ومطبخُها وممرّاتُها. وهي تتيح ما لا يقدر الرياض، وهو دارُ تكوينٍ وحياةٍ مشتركة، أن يتيحه: فسحةَ نظرٍ وصمتٍ واستقبالٍ مقدَّر، من غير أن تختلط الوجهتان.
جدارٌ واحدٌ مشترك، وبابٌ لا يُفتَح إلّا من جهة الرياض.
الفتوّة
ليس الذي يصل بين الدارين رفاهيةً، وإنّما هي قاعدةٌ في الخُلُق. فالفتوّةُ — الصحبةُ والشرفُ والخدمة — تكوّن الرجلَ أوّلاً، ولا ترفع أحداً بقدر ما يملك، بل تخفض ما يحسبه الناسُ مقياساً.
فالفتى الذي يُقبَل بلا مالٍ يُرفَع: تُعطى له حرفةٌ وانضباطٌ وموضعٌ على المائدة. والرجلُ الموسِرُ يُستقبَل على المائدة نفسها، في اللباس نفسه، وعند الحركة نفسها؛ ويُنزَع عنه حقُّ أن يدفع ليُنظَر إليه. فيتعلّم أحدُهما أن يستحقّ ما أُعطي، ويتعلّم الآخر أن يخدم، ولا يدخل واحدٌ منهما بما يملك.
وعلى مائدتهم، وفي اختبارِ رمايةٍ بالقوس، أو في البستان أو المطبخ، لا يحمل أحدٌ أصلَه على وجهه؛ فالنظرُ إليهم واحد.
ولا يكتسب ضيفُ المُنية حقاً على حياة الرياض. والعبورُ إن وقع يبقى بادرةً من أهل الدار، لا امتيازاً للمال. الفتوة ←
في الخارج ما زال العالمُ يقرأ العلامات: اللباسَ والمتاعَ والهيئة. والبابُ لا يقرؤها.
ومتى قُبِل المرءُ زال الفرق: قد يُدعى إلى رمايةٍ أو إلى سَمَرٍ ليليّ، وإن كان في المطبخ أو البستان عملٌ كان الضيوفُ أوّلَ من يتعلّم.
سلسلةُ المدينة العتيقة
ليست فاسُ ديكوراً للدارين، وإنّما هي المدينةُ التي ما تزال لسلسلة الحِرَف فيها اسمٌ وحيٌّ وأمين، والتي تنقطع فيها هذه السلسلةُ أسرعَ ممّا تُعاد.
تُمسِك دارُ الحِرَف حلقةً من هذه السلسلة، وتُبقيها من الزمن ما يكفي لتنشأ المَلَكة. والمُنيةُ تتكلّم اللغةَ المادّية نفسها: جبسُها وخشبُها ونسيجُها ستأتي، في حينها، من الدكاكين نفسها.
ودعمُ المجموعة أمرُ عملٍ يُطلَب من فاس. فللحرفة صاحبُ عملٍ قبل أن يكون لها سوق. يصحّ ذلك في الجبس والخشب، ويصحّ، حين يحين الوقت، في جلد السروج ومعادن التتميم، حيث تلتقي الفروسيةُ بالدكّان.
المواضع
السقيفة
عتبةُ الاستقبال. انتقالٌ بين خارج الدار وداخلها.
الصحن والقاعة
قلبُ الدار. موضعُ الحضور والمحادثة والصمت المشترك.
البستان
فسحةُ بردٍ ونظر. متّصلٌ بالمُصلّى.
المُصلّى
يشرف على الصحن والبستان. توجيهٌ محكم.
المساكن
غرفُ ضيافةٍ لعددٍ مغلق. بساطةٌ وقدر.
مسكنُ الشرف
موضعٌ مخصوص، متميّزٌ عن غرف الضيافة العادية.
المجالس
مواضعُ صحبةٍ ومحادثةٍ مقدَّرة.
الپارلوار
موضعُ لقاءٍ متحفّظ، منفصلٌ عن الممرّات الرئيسة.
الخدمة
قاعةُ الطعام. مطبخٌ مستقلٌّ منفصل. وفيها يتناول ضيوفُ المُنية طعامَهم، إلّا أن يُدعَوا استثناءً إلى مائدة الرياض.
مرافقُ الخدمة. لا يبلغها إلّا عاملو المُنية. ممرّاتٌ متميّزة.
مخزنٌ متحفّظ. موضعُ إيداعٍ للأنسجة والقطع النفيسة والأشياء المحفوظة. أشياءُ قليلة، كلٌّ في موضعه.
ساعاتُ الدار
الظهيرة — الدارُ خالية، والماءُ والظلّ.
الغروب — آخرُ الضوء على الزرابي.
المساء — القناديل، والصحنُ ينغلق.
قاعدةُ الدارين
الشعارُ المنحوت فوق الباب المؤدّي من المُنية إلى الدار: نجمةٌ ثمانية، لا تُقرأ إلّا من قُرب.
داران، وبابان، ومطبخان، وممرّان. جدارٌ واحدٌ مشترك، وبابٌ لا يُفتَح إلّا من جهة الرياض.
والرياضُ معدٌّ لأن يُقام حُبُساً — أو على الصورة الأقرب التي يتيحها قانونُ المملكة. فلا يُباع المالُ بعدُ ولا يُورَث، وتبقى ثمارُه موقوفةً على التكوين. فالترميمُ يحمي الجدران، والحُبُسُ يحمي الوجهة: فلن يصير البيتُ مؤسّسةَ إيواء.
ولم يُقصَد شيءٌ للتكديس ولا للعرض. ولكلّ موضعٍ استعمالٌ محدَّدٌ وقاعدةُ قدر.
والمُنيةُ لا توجد لتحلّ محلّ الرياض، وإنّما لتتيح، في تحفّظٍ واستمرار، ما لا يقدر الرياضُ، وهو دارُ تكوين، أن يكونه ولا ينبغي له.
طريقٌ آخر
لا يدخل ضيفُ المُنية إلى الرياض بالحركة نفسها. فطريقُ الرياض — القراءةُ والكتابة والمراسلة، ثم التدريبُ أو الإقامة، ثم السكنى — يبقى متميّزاً عن الدعوة إلى الدار الملاصقة. كيف يُدخَل ←
الرِّياضُ لِأَهْلِهِ، لَا أَهْلُهُ لِلرِّياضِ