← العودة إلى دار الحِرَف

دار الحِرَف

بعد السكنى

لا تُترَك دار الحِرَف كما تُترَك مدرسة — ولا يخرج منها المرء صِفر اليدين.

الخروج من الدار وفي اليد حرفة

يخرج المرء من هنا قادراً على أن يستقلّ بأمره، وإلا فما خرج. والسكنى ليست فترةً معترضة، بل تُكوّن رجلاً لما بعدها، وحرفةً في اليدين، ونظاماً للنهار، وقولاً يُلزِم، وعند الأوان ما يُقيم به بيتاً.

والذي ترفضه الدار هو فكرة «ما بعد» على المعنى الدنيوي: دفترُ معارف، وصفةُ قديم، وحقُّ نظرٍ على من بقي. لكنّ رفض الشبكة لا يعني أن يُترَك الرجل يذهب بيديه وحدهما. فما يحمله قد أُعِدّ له سنين، وبعضه موضوعٌ في الجدران من قبل.

ما ترسّب فيه

حرفةٌ مُمسَكة. لا شهادةً في إطار: القدرةُ على العمل وحده، في الأمد، خارج إطار الدار. المعلّم نقل حركة؛ وعلى الرجل أن يستطيع استئنافها في الخارج، وأن يُطعِم بها مائدة، وأن ينقلها يوماً. والرتبة تُقرأ قليلاً وتُستحقّ — حزام الإتقان.

كلمة. الفتوّة لا تنقضي عند الباب. الوفاء، والمقدار، ورفض الزهو: ما طُلِب تحت السقف يبقى مطلوباً في الخارج.

ما يُقيم به بيتاً. دار الحِرَف ليست اعتزالاً. ومن صار معلّماً فهو مستعدّ، عند الأوان، أن يتزوّج، وأن يُكرم امرأته، وأن يُربّي بنين. فالحرفة المُمسَكة، ونظام النهار، والقول المعطى نسيجٌ واحد مع شرف الدار: من لا يُحسن الخدمة في المشغل لا يُحسنها في بيت.

العمل الموقَّع يبقى في الجدار

ما ادّخرته الدار له

اسمٌ في الجدران. كلّ عملٍ يتمّ يحمل صيغة عمل — واسمَ اليد التي صنعته، والسنة؛ وإن كان صانعاً تحت معلّم، فالاسمان معاً. وليس هذا تذكاراً، بل هو اللقب الوحيد الذي يساوي شيئاً في حرفة اليد. فزبون المدينة لا يقرأ شهادة — يذهب فيرى العمل، ويستطيع أن يذهب، لأنه موضوعٌ في بناءٍ يُزار. وانظر الأثر.

دارٌ ومشغل. عملُ سنوات الورشة لم يذهب: تراكم في حساب حرفةٍ باسمه، ويتحوّل هذا الرصيد — إن شاء — إلى أوّل قسطٍ من الدار-المشغل التي يشتريها من الدار، بغير رِبا، سنةً بعد سنة. وهي في الغالب إحدى الدور التي رمّمتها المدرسة نفسها في الدرب. فقد أدّى من قبل، بعمله، قسطاً من الدار التي سيسكنها؛ ومن أتمّ الطريق كلّه واستقرّ في المدينة القديمة، ضاعفت له الدار رصيده.

عُدّة. المعلّم الذي يستقرّ يحتاج إلى حديدٍ قبل أن يحتاج إلى مشورة. وصندوق الفتوّة يُسلِفه ما يُجهّز به أوّل مشغل، بغير رِبا — قرضاً حسناً، يُردّ على قدره.

صندوقٌ يبقى مفتوحاً. يبقى المرء من أهل الصندوق بعد خروجه، ما دام يؤدّي اشتراكه: المرض، والزواج، والدفن، والرصيد الذي يسقط على الدار إن مات قبل أوانه. وهي الصلة الوحيدة الباقية — ولا تعطي امتيازاً، بل عوناً بين إخوة.

المشغل المفتوح في المدينة القديمة

ما لا يبقى

لا يكتسب «قديمٌ» حقّاً على حياة الرياض، ولا على مشاغله، ولا على قبوله. للمرء أن يبقى موصولاً بالتقدير وبالحرفة؛ ولا يبقى مالكاً لمكان.

والدار لا تُقيم شبكةَ قدماء بالمعنى الدنيوي. تحفظ ذكرى الأعمال والرجال الذين أتمّوا العمل — لا قائمةَ امتيازات.

وابنُ معلّمٍ تكوّن هنا لا يدخل بالوراثة، بل يقترب كما يقترب غيره، من العتبة نفسها.

في الخارج، الإيقاع نفسه

الأفق المعتاد حياةٌ تُمسَك فيها الحرفة والبيت والكلمة معاً. ودار الحِرَف تُعِدّ لذلك؛ ولا تقوم مقامه. لم تكن كلّيةً: وفي الخارج كذلك لا يدين المرء بشيء لمؤسّسةٍ تحتجز رجالها.

ولبعضهم قد تبقى صلةُ عملٍ بمشغلٍ من مشاغل الدار — لضرورة الحرفة، لا لصفة. تُقرَّر حالةً حالة، في تكتّم، ولا تكون قطّ حقّاً مكتسَباً عند الخروج.

الرِّياضُ لِأَهْلِهِ، لَا أَهْلُهُ لِلرِّياضِ

وهذا يجري على من خرجوا أيضاً. فالدار لا تدين لهم بمسيرة؛ وهم يدينون لها بأنهم تلقّوا إطاراً وأكرموه. وما بقي — الاسم في الجدار، وقسط الدار، والعُدّة — ليس منّة، بل هو ما كسبوه.