البرد الطبيعي
الليل، والكتلة، والظلّ — كيف تعبر دارٌ بفاس الصيفَ بغير آلة.
صيف فاس ليس حرارةً متّصلة، بل فارق. ففي يوليوز وغشت يرتفع النهار إلى خمسٍ وثلاثين درجة في المتوسّط، ثم يهبط الليل إلى نحو ثماني عشرة؛ وتحت موجة حرٍّ آتيةٍ من الجنوب يتجاوز العصر الأربعين — وقد سُجِّلت ستٌّ وأربعون في يوليوز ٢٠١٧ — ومع ذلك تهبط الليلة التالية. والهواء جافّ، رطوبته النسبية في الصيف دون النصف في مقابل نحو ثلاثة أرباع في الشتاء، وهذا الجفاف بعينه هو الذي يدع الليل يبرد.
فالدار المبنيّة في هذا المناخ لا تُطالَب بمقاتلة الحرّ، بل بأن تعبر النهار على برد الليلة الماضية. وكلّ ما بقي — سُمك الجدران، وعمق الصحن، وساعةُ الفتح وساعةُ الإغلاق — متفرّعٌ عن هذه الجملة وحدها.
ما تأخذه الدار من الليل
الأداة عند الدار أصلاً: الكتلة. جدرانٌ سميكة من حجرٍ وترابٍ وآجُرّ، وأقبية، وأرضٌ من رخامٍ وزليج، وغرفٌ ترتفع من ثلاثة أمتار إلى خمسة على العادة القديمة — عشراتُ الأطنان من المادّة تتبدّل حرارتها ببطء، وتردّ متأخّرةً ما أخذته.
وفي الشتاء تُشحَن هذه الكتلة بالنار؛ وهو مبدأ موقد الادّخار وأرضِ الحمّام المسخَّنة، الموصوفَين في موضع آخر. وفي الصيف تُشحَن بالليل. تُفتَح المنافذ على سعتها بعد غروب الشمس وإلى الفجر: فيكنس الهواءُ البارد الغرف، ويبرّد الجدران والرخام والأقبية. ثم يُغلَق كلّ شيء في الصباح — الشبابيك والأبواب والمشربيات — ولا يُعاد فتحه. فتقضي الدار العصر على مدّخرها، ويُحسَب بالساعات الفارقُ بين ذروة حرّ الخارج وذروة حرّ الداخل.
وليست هذه صورةً بل مناورة، وتُعكَس في الشتاء: يُفتَح نهاراً ويُغلَق ليلاً. والدار القديمة التي تُسكَن سكنى الدار الحديثة — نوافذ مفتوحة بعد الظهر، مغلقة في المساء — تُضيّع بالضبط الفائدة التي بُنيت لأجلها. وهذا أوّل ما ستعلّمه الدار لمن يدخلها.
النسبة تقرّر قبل الموادّ
ومن جملة ما يبرّد الصحن، يتقدّم الظلّ، ويتقدّم كثيراً. فالدراسات التي قاست هذه الأجهزة تنتهي كلّها إلى الترتيب نفسه: ارتفاع الجدران المحيطة بالصحن أثقل وزناً من الكتلة، ومن لون الأسطح، ومن ناقليّة الموادّ. وما يُفقَد برسم صحنٍ مفرطِ العرض لا يُستدرَك باختيار طبقةٍ من الملاط.
والأبحاث التي جرت على الدار المغربية ذات الصحن تعطي المقدار في صيغةٍ يحفظها البنّاء: ما دامت الجدران المحيطة بالصحن أعلى من طول الصحن، فالصحن أبردُ من الخارج؛ فإذا صار الصحن أطول من ارتفاع الجدران، صار أسخنَ منه. فالحدّ هناك، ويُتجاوَز على الرسم لا في الورشة.
ومن ثمّ صحنٌ عميق لا عريض، وسقيفةٌ تدور به. وليست هذه السقيفة زينة، بل تحفظ الأبواب والنوافذ من الشمس طوال الصيف، وتعطي، إذا جاء الشتاء، طريقاً جافّاً من طرف الدار إلى طرفها في أيام المطر. قطعةٌ معمارية واحدة للفصلين، وتلك علامةُ هذه الدور. الصحن ←
مدّخرُ برد، لا مدخنة
يُوصَف الصحن عادةً بأنه سحب: الهواء الحارّ يصعد ويخرج من أعلى. وهذا صحيحٌ في ساعاتٍ بعينها، ومضلّلٌ وصفاً عامّاً.
فالذي يجري بالليل عكسُ السحب. الجدران، وقد كفّت عن تلقّي الشمس، تُشعّ نحو السماء فتبرد؛ فيبرد الهواء الملاصق لها بدوره، ويزداد كثافةً، فينزل. فيمتلئ الصحن من أسفله بهواءٍ أبردَ من هواء السطوح، ويبقى فيه طبقاتٍ حتى تبلغه الشمس. فالصحن مدّخرٌ قبل أن يكون قناة.
وفي النهار تطلب الهندسةُ نفسها أن تبقى مغلقة. فتكثير المنافذ على الخارج لا يجعل الصحن يتنفّس أحسن، إنما يُدخِل إليه الهواءَ الحارّ. وفي أشدّ الساعات يكون الصحن المغلق أحسن حالاً من المفتوح — وهذا يفسّر الواجهة العمياء على الزقاق، وليست مسألةَ حياءٍ وحدها.
ما لا تبنيه فاس
وثمّة أسرةٌ أخرى من الحلول، والأولى أن يُقال إنّا لا نستعملها. فـالمَلقف — القناة التي تلتقط الريح وتُنزلها في الدار — من مصر والعراق والشام؛ والبادگير، برجُ الريح المتعدّد الجهات، من فارس والخليج. وهي أجهزةٌ بديعة، وتجيب مناخاتٍ أخرى: صيفاً لا يبرد ليله كفايةً، أو رياحاً سائدةً منتظمةً بما يُبنى على محورها برج.
وفاس لم تبنِها، ولا حاجة لها بها. فحيث يهبط الليل خمس عشرة إلى عشرين درجةً دون النهار، تقوم الكتلةُ والظلّ بالعمل الذي يقوم به البرج في غير هذا المكان، ويقومان به من غير أن يزيدا شيئاً على خطّ سماء المدينة القديمة. فلن تحمل الدار مَلقفاً ولا بادگير: وذكرُ ما لا يُبنى من تمام وصف ما يُبنى.
ما لا يُوعَد به
ولهذه الدور عيبٌ واحد، وهو موثَّق: الرطوبة. فالمسوح التي أُجريت على الدور المغربية التقليدية تسجّل أعطاباً من الرطوبة في قرابة نصفها، وتكاثفاً شتويّاً على الجدران السفلى والسقوف في قرابة ثلثها. فالكتلة التي تحفظ البرد تحفظ الماء أيضاً، وجدارُ الطين الذي يُغلَق ويُسخَّن على الطريقة الحديثة يتلف أسرع من جدارٍ يُترَك يتنفّس.
فليس ههنا شيء من باب التلقائيّة. لن يكون في الدار تكييفٌ آليّ، لكن ستكون فيها رياضة: ساعاتُ فتحٍ وساعاتُ إغلاق، يتولّاها أحدٌ، كلّ يومٍ من أيام الصيف. فالبرد عملٌ يوميّ، كنار الحمّام.
وكنار الحمّام، نعلم أنه أُحسِن يوم لا يعود يُذكَر: يوم يكون الصحن بارداً في الرابعة بعد الظهر ولا يسأل أحدٌ لماذا.