الورشة
تُبقي المدرسةُ على الدوام عملاً حقيقياً بين الأيدي، وعلى هذا العمل تُعلّم.
من التمرين إلى العمل
تُكتسَب التقنيةُ على قطعة تجربة؛ أمّا الحرفة فلا تُكتسَب عليها. فهي تفترض عملاً له صاحبٌ يطلبه، وأجلٌ يُوفى، ومقياسٌ يُراعى، وتُصلَح عيوبُه على نفقة من ارتكبها — وهي شروطٌ لا يجمعها التمرينُ المدرسيّ بحكم تكوينه أبداً.
وفي هذا تفترق البوتيغا عن المدرسة، ولهذا تشتغل هذه المدرسةُ على أبنيةٍ يُقصَد بها أن تُسكَن، لا على نماذجَ يُقصَد بها أن تُقيَّم.
الدار ومعلّموها
الفندقُ الذي يؤوي الدار يرمّمه معلّمون راسخون، تحت إدارةِ أشغالٍ ووفق الإجراءات التي يفرضها بناءٌ مصنَّف؛ ولا يتدخّل فيه المتدرّبون. وحيطةُ التراث وحدها كافيةٌ لتبرير ذلك، غير أنّ سبباً أبسطَ يُضاف إليها: فالمتدرّبون هم السكّان أنفسهم، وما دامت الدارُ ورشةً فليس ثمّة موضعٌ لإيوائهم.
وليست هذه المدّةُ ضائعةً عليهم. فالفوجُ الأوّل يتكوّن أثناء الأشغال في دكاكين المعلّمين بالمدينة العتيقة، على العادة التي ضبطت التلمذة في هذه المدينة دائماً، ينام كلٌّ عند أهله؛ ثم يدخل الدارَ حين تكتمل الدار، ويدخلها وقد تكوّن نصفَ تكوين.
موضوع الورشة
ومتى فُتحت الدار انفتحت ورشةُ المدرسة بدورها ولم تعد تُغلَق. تتقدّم على الترتيب الذي يصير المتدرّبون به قادرين على مقارعتها، وتتناول ثلاث مجموعاتٍ لا يُلزِم شيءٌ بإجرائها في آنٍ واحد.
تأتي أوّلاً ملحقاتُ الدار، من مخازنَ وسطوحٍ ومرافقَ ومغسل، ثم البستانُ بقنواته وأحواضه وعرائشه وسور إحاطته: أعمالٌ من الصِّغَر بحيث يُصلَح فيها الخطأ، ومن الحقيقة بحيث يُحسَب.
ثم تأتي أجزاءٌ من المُنية، الدار الملاصقة، وحملاتُها المتعاقبة يمكن أن يموّلها من يرغب في دعم عملٍ معيَّنٍ بذاته لا ميزانيةً عامّة؛ وتبقى كلُّ حملةٍ بإدارة دكاكين المدرسة تحت إشراف معلّم، وتُوقَّع كسائر الأعمال.
ثم يأتي أخيراً، ولأمدٍ طويل، مجموعُ دُور الدرب التي تنهضها الدارُ واحدةً واحدةً لتُسكِن فيها صنّاعاً: من كوّنتهم هي، ومن تكوّنوا في غيرها فطلبوا الانتساب إليها وقبلوا مراعاة قاعدتها. وهذا أبطأ أجزاء البرنامج وأعظمُها، لأنّه يقصد إلى إعادة أُسَر الحرفة التي غادرت الحيَّ إلى المدينة الجديدة أكثر ممّا يقصد إلى ترميم جدران.
وعند هذه النقطة تنغلق الدائرة، فهذه الدُّور المنهوضة هي بعينها التي سيستقرّ فيها من يخرجون من هنا بحرفة، على ما تصفه صفحةُ بعد السكنى.
توقيع العمل
العملُ في المغرب يُوقَّع. فعلى لوحِ زليجٍ أو سقفِ أرزٍ أو حنيّةِ جبس تتقدّم صيغةُ «عمل» اسماً وتاريخاً؛ وإلى هذه الكتابات يعود فضلُ أن نعرف، بعد سبعة قرون، أيُّ يدٍ نحتت ماذا في مدارس هذه المدينة المرينية.
والدارُ تستأنف هذه العادة بلا استثناء. فكلُّ عملٍ يكتمل يحمل، في تحفّظٍ وخارج مجال التأليف، اسمَ من نفّذته يداه والسنةَ؛ وإذا اشتغل متدرّبٌ تحت إشراف معلّم وردَ الاسمان معاً، اسمُ من أرى واسمُ من فعل.
وليست العادةُ من باب الزهو في شيء. فالتوقيعُ يُلزِم حاملَه، حتى إذا وهَنَ مفصلٌ بعد ثلاثين سنة عُرِف من أيّ دكّانٍ يُطلَب البيان. وقد كانت الطوائف تحرص على هذه المسؤولية المؤجَّلة، ومن أجلها لا من أجل الشرف رضي الصانعُ بالتوقيع دائماً.
وعلى مرّ العقود تصير جدرانُ الدار سجلاً للأيدي التي صنعتها: المعلّمون الستّة الذين أنهضوها أوّلاً، ثم تلامذتُهم، ثم تلامذةُ هؤلاء. وهذه السلسلةُ لا تُحفَظ في كتاب؛ إنّما تُقرأ في المكان، برفع البصر.
حسابُ الحرفة
للعمل الحقيقيّ قيمة، ومتى صار لعمل المتدرّب قيمة — أي ابتداءً من الجلد الثاني من حزام الإتقان — دُفِع له هذا العملُ بأجر الحرفة، لا على سبيل التعويض.
ولكلٍّ لهذا الغرض حسابُ حرفةٍ عند الدار، يجتمع فيه أجرُ ساعات الورشة ونصيبٌ مقدَّرٌ سلفاً من القيمة المنتَجة حين تُفوَّت دارٌ منهوضة أو تُجعَل ذاتَ ريع، ويُوزَّع هذا النصيب بنسبة الساعات المنجَزة والدرجة المبلوغة.
ولا يشكّل الحسابُ بحالٍ حصّةً في شركة ولا يمنح صوتاً في تدبير الدار؛ إنّما يسجّل ما كُسِب، لا غير.
ما يُحمَل عند الخروج
عند الرحيل يتصرّف كلٌّ في رصيده كما يشاء: يقبضه مالاً، أو يحوّله بقيمته إلى قسطٍ أوّلَ من دار-الدكّان التي سيقتنيها من الدار، بلا فائدة، سنةً بعد سنة — وكثيراً ما تكون إحدى تلك التي نهضتها المدرسةُ نفسُها في الدرب.
فمن قضى هذه السنين في إنهاض دُور الحيّ يملك نصيباً من الدار التي سيستقرّ فيها، وقد دفعه من عمله. ومن أتمّ المسارَ كلَّه وفتح دكّاناً في المدينة العتيقة ضاعفت له الدارُ الرصيدَ المكتسَب.
وليس الحسابُ سندَه الوحيد عند الاستقرار: فعُدّةُ الدكّان الأوّل يُسلفها له الصندوق، صندوقُ الفتوّة، الذي يظلّ منتسباً إليه بعد خروجه فيما يتّصل بالمرض والزواج والدفن.
قواعد الحساب الثلاث
الحسابُ لا يعطي صوتاً: لا حقَّ تدبير، ولا جمعية، ولا حصّة اجتماعية، إذ ليست هذه الدارُ مؤسَّسةً على هيئة شركة.
والحسابُ لا يُمَسّ لأجل ذنبٍ أبداً. فمن طُرِد مضى برصيده، لأنّ ما كُسِب يبقى مكسوباً؛ وحسابٌ يمكن مصادرتُه يصير وسيلةَ ضغط، والرجلُ الذي يخشى الخسارة فيه يكفّ عن قول الصدق في سيرته.
والرصيدُ يعود إلى الورثة عند الوفاة، من غير شرطٍ ألبتّة.
وفي مقابل ذلك تكفل الدارُ طوال هذه السنين المأوى والمائدة واللباس والعُدّة والتعليم، ولا تحاسب على شيءٍ منها. وهذه الخِدَمُ لا تُقيَّد في حساب؛ وإنّما يهمّ أن تُذكَر.